محمد علي سلامة
70
منهج الفرقان في علوم القرآن
القرآن على غير لغاتهم دفعة واحدة وحملهم على النطق بما لم يعتادوا النطق به مشقة عظيمة وحرج كبير كما يدل عليه قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : ( وإن أمتي لا تطيق ذلك ) وقوله : ( يا جبريل إني بعثت إلى أمة أمية منهم العجوز والشيخ الكبير والغلام والجارية والرجل الذي لا يقرأ كتابا قط ) فوسع اللّه للناس في الحروف لعجزهم عن أخذ القرآن على غير لغاتهم لما ذكر في الحديث . نعم وسع لهم في اختلاف الألفاظ إذا كان المعنى متفقا لا اختلاف فيه ولا تناقص ، فكانوا كذلك حتى كثر منهم من يكتب وعادت لغاتهم إلى لسان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو لسان قريش بعد أن صارت لقريش السيادة الدينية والدنيوية معا ، وقدروا بعد ذلك على حفظ الألفاظ التي هي بلغة قريش ، حتى صاروا يؤثرونها على غيرها فلم تعد ثم ضرورة إلى الاستمرار على القراءة بما عدا حرف قريش أي لغتهم وبخاصة فإنهم كانوا مخيرين في القراءة بأيها كما يدل عليه قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « فأي ذلك قرأتم أصبتم » وقوله : « فاقرءوا ما تيسر منه » . ولما زالت الضرورة اختار الإمام عثمان رضى اللّه عنه واختاروا معه أحد الأحرف السبعة وهو حرف « لغة » قريش لأنه هو الحرف الذي علمه جميع العرب بعد ذلك فكان ذلك إجماعا من الصحابة ، والأمة إذا وجبت عليها أمور على التخيير فلها أن تختار واحدا منها وتترك ما عداه ، كما أن للإمام أن يختار كذلك وقد تركت الصحابة الأحرف الستة الباقية ولم تنقلها محافظة على وحدة الأمة في قراءة القرآن ودرءا للاختلاف في القرآن ودفعا للمراء فيه الذي عده النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كفرا . ويؤيد هذا القول خلاف ما ذكرنا : ما تقدم من اختلاف الصحابة في القراءة وتصويب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لكل منهم فإنه ليس من المعقول أن يكون اختلافهم في المعنى وإلا لزم الجمع بين النقيضين إذا كان أحدهما أمرا والآخر نهيا مثلا فتعين أن يكون اختلافهم في اللفظ مع الاتفاق في المعنى بأن يعبر عن أحدهما بلفظ ويعبر عن الآخر بلفظ آخر وهكذا .